الرئيسية + ثقافة و فنون + أدب من الشمال + ادريس حيدر يكتب: أنين

ادريس حيدر يكتب: أنين

اللوحة الأولى :

عرفت العنف و التعذيب باكرا في الكُتَّاب( المسيد ).
لا زلت أتذكر ذلك المكان المكتظ بأطفال ذوي أعمار متفاوتة .
كان المكان ضيقا و نتنا ، يكثر فيه الضجيج ،و يملأ فضاءه الذباب .و بين الفينة و الأخرى ،كان بكاء بعض الأطفال يتعالى ،لأنهم يحتاجون لدفئ و حنان أمهاتهم ، و آخرين يبكون بسبب عنف يمارس عليهم من طرف أطفال آخرين . فيما الكبار منهم و المشاغبين يثيرون الفوضى بأصوات مرتفعة ،مستغلين غفلة ” الفقيه ” عنهم أو مكوثه في المرحاض طويلا.
مشاهد الضرب و الإهانة عمليات مألوفة ،حيث كان الكبار و الأشداء من طلبة ” الكتاب / المسيد ” يساعدون الفقيه في عمليات التعذيب و العنف ،يسحبون الصغار منهم و يشلون حركتهم ،لكي يفسحوا له المجال من أجل ضربهم على أرجلهم ضربا مبرحا.
و إذا فقد ” الفقيه ” صوابه ،يضرب في كل الاتجاهات و في كل أنحاء جسم الطفل الصغير / الضحية.
و هكذا تعرفت على ما يصطلح عليه ب ” الطيارة ” و أنا بعد طفل صغير.

اللوحة الثانية :

بعد تلك الفترة الدامية ،انتسبت للمدرسة النظامية (الابتدائي).
كنت مع ثلة من أصدقائي الأطفال نستيقظ باكرا للذهاب إلى المدرسة ،و أحيانا يكون الوقت لازال ليلا.
كان أغلب الأطفال يلبسون جلابيب قصيرة و ملابس خفيفة غير ذات قيمة ،
في تلك الصباحات ، كنت أشعر وكذلك أصدقائي بالبرد القارس يلفح أجسادنا الصغيرة.
كسرة خبز حاف و بارد ،هي وجبة الصباح يحملها الأطفال في حقائبهم وتناولونها في فترة الاستراحة .
حصص التعذيب و العنف ،تكون في أغلب الأحيان في الصباح .كان بعض المدرسين يعتدون على الأطفال بواسطة قطع من المطاط طويلة الحجم ،شبيهة بالثعابين ،و هي مقطوعة من عجلات الشاحنات و الجرارات، فيما آخرون كانوا يضربون التلاميذ على أيديهم الصغيرة و الزرقاء من شدة البرد ، بواسطة ” لاقطات ” معدنية لأمواج راديو السيارات
ضربات المعلم بواسطة هذه الآليات و الأدوات المخصصة للتعذيب ،كانت تترك رضوضا و كدمات كثيرة على الأجساد الصغيرة للأطفال . و ربما كانت تترك جراحات دفينة في مخزونهم النفسي . و أما وجبات الاعتداء بواسطة” الطيارة” فكانت يومية .

اللوحة الثالثة :

التحقت بالجامعة المغربية ،و كانت الأجواء بها ،شبيهة بتلك التي كانت تعيشها الجماهير الطلابية في جميع أنحاء العالم و خاصة فرنسا.
كان الحرم الجامعي يشهد بشكل يومي حلقات من النقاش قوية و عميقة و متنوعة.
العالم في تلك الحقبة ،كان يعيش غليانا ا فكريا و سياسيا كبيرا خاصة في الأوساط الطلابية:
-هزيمة العرب المدوية في حرب يونيه (حزيران) 1967.
-الانتفاضة الطلابية في فرنسا ماي 1968.
كان لهذين الحدثين تأثير قوي على وعي الطلاب ،الذين بدأوا يبحثون عن رؤى جديدة للمستقبل ،كما ازدهر التنظيرالفكري من طرف فلاسفة و مفكرين ،حول نظم الحكم و كذا الظواهر الاجتماعية.
في تلك المرحلة كان العنف و التعذيب شديدا و ملازما لحياة الطلاب ،و غالبا بسبب خياراتهم الفكرية و الأيديولوجية و السياسية .
كانوا يختطفون أو يحتجزون في أماكن سرية و يخضعون لاستنطاقات عنيفة و رهيبة .
طبعا كان حظي مثل كثير من الطلاب ،الضرب المبرح الذي يترك آثارا نفسية لدى الضحايا.
أما التعذيب بواسطة ” الطيارة ‘ فقد كان يتم في المخافر و الأقبية السرية .

اللوحة الرابعة:

أتممت دراستي الجامعية ، و امتهنت التدريس ،و اعتقدت لبعض الوقت أن مظاهر العنف و التعذيب ستنمحي من مشهدي اليومي اعتبارا لكون عملي يكتسب طابعا تربويا بعيدا عن مسببات تلك المجازر.
كانت الأزمة الاقتصادية قد بلغت أشدها و ذلك من جراء انتهاج الحكومة لسياسات آملاها البنك الدولي ،في إطار ما سمي ب” التقويم الهيكلي ” .
تناسلت الإضرابات القطاعية احتجاجا على سياسة الحكومة اللاشعبية التي كانت تروم التقشف و ذلك برفع أسعار المواد الأساسية ،و سد آفاق التشغيل .
قناعاتي السياسية و إيماني بالقيم الفضلى،كانت أسبابا كافية لتعرضي لتعذيب و عنف وحشيين ،و ذلك بمناسبة إحدى الإضرابات التاريخية لنساء و رجال التعليم.
بعدها تم طردي من عملي مثل كثير من المدرسين / المناضلين .
فيما التعذيب بواسطة ” الطيارة ” استمر في جل أماكن الحجز.

اللوحة الخامسة:

انتسبت إلى مؤسسة جامعية كموظف(متصرف) و كان ذلك بعد محنة الطرد.
كان الشرق الأوسط يعيش احتقانا كبيرا في فترة الثمانينات، بسبب اجتياح ” اسرائيل” للأراضي اللبنانية ،و ارتكابها مذبحة ” صبرا و شاتيلا” سعيا منها إلى تصفية المقاومة الفلسطينية .
و كانت نتيجة تلك الحرب ،ترحيل آلاف الفلسطينيين من ” لبنان” ،حيث نقلت إحدى البواخر الفرنسية مجموعة من المقاتلين بقيادة المرحوم ” ياسر عرفات “.
كان العالم العربي عبارة عن برميل بارود قابل للانفجار في أية لحظة.
و في المغرب اشتدت المواجهة بين اليسار المغربي و القصر ،توجت باعتقالات واسعة بمناسبة انتفاضة 1984، التي شهدتها بعض المدن : تطوان، مراكش ،الحسيمة ،القصر الكبير…الخ.
علاقة بتلك الأحداث كان الحاكم ،قد نعت المواطنين ب” الأوباش” ،و كنت قد لقيت نفس المصير السابق ،اعتقلت ،عذبت و طردت من الوظيفة العمومية ثانية.
و كانت آثار التعذيب قد استمرت موشومة على جسدي لمدة ليست بالقصيرة، حيث شلت يداي و رجلاي، نتيجة التعذيب بواسطة ” الطيارة ” و آليات أخرى.
.

عن هيئة النشر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!