الرئيسية + أخبار + العلمي الدريوش يكتب: الشيوخ والمريدون

العلمي الدريوش يكتب: الشيوخ والمريدون

في كل مرة يصدر تصريح لسياسي أو مسؤول وتتساقط منه ألفاظ مثيرة إما لطرافتها أو لسوقيتها تنشط المخيلة الشعبية لتنتج كما لا بأس به من الأدب الشعبي الساخر يتراوح بين أجناس مختلفة للقول.

وهذه دلالة على حيوية هذا الشعب الذي تسكن لسانه المستملحات منذ عهود طويلة. ولا نعدم فوق كوكبنا شعوبا كثيرة تمتلك هذه الميزة التي خصها بها الله تعالى لتكون متنفسا وجدانيا وفكريا وروحيا يسهم في تجاوز الازمات والاختلالات . إنه نوع من العزاء النفسي له مفعول العلاج . ولذلك في كثير من البلدان تتمتع هذه المخيلة بهامش كبير من الحرية ولا أحد يضايقها أو يكيل لها الاتهامات المجانية ما دامت تبقى في حدود التعبير السلمي الذي يقود إلى تفريغ المكبوتات المتراكمة حيث يتنفس الناس قليلا ثم ينصرفون إلى مآربهم . ألم يزر أبو الطيب المتنبي مصر قديما ليجدها غارقة في الفكاهة والمستملحات بالرغم من أوضاعها الموجعة حيث قال:
وكم بمصر من المضحكات ولكنه ضحك كالبكاء
وفي كثير من البلدان نجد المسؤولين موضوع التندر والتفكه يستقبلون الأمر بأريحية ولا يضجرون منه. فالسياسيون والمسؤولون بحكم مواقعهم هم دائما محط رصد وتتبع لا يهدأ من قبل فئات عريضة من الشعب.

والشعب الذي لا يتتبع سياسييه ومسؤوليه ويحول فلتاتهم وعثراتهم إلى طاقة إبداعية هو شعب ميت. وكم نحن مدينون لكتاب كرسوا جزءا كبيرا من حياتهم لتدوين أجمل إشراقات المخيلة الشعبية، فحفلت كتب بطرائف ونوادر ومستملحات كان موضوعها فقهاء وقضاة وولاة وخلفاء وغيرهم. ولنا ما يشفي الغليل في كتب عديدة ورائدة مثل ” نوادر العرب من زمن العجب” و” المستطرف في كل فن مستظرف” وغيرها.
واليوم ينخرط شعبنا بما حباه الله من مواهب مختلفة في هذا الورش الإبداعي الجميل مستغلا ما وفرته وسائل التواصل الحديثة من إمكانات جعلتنا نستمتع بما يجود به المخيال الشعبي . لكن الغريب هو أن نجد من يتصدون لهذا المخيال الجميل ويكيلون له أبشع الاتهامات وكأن الكل صار مأجورا أو يبدع بالوكالة. وإذا كان من البدهي أن نجد جل السياسيين والمسؤولين يلوذون بالصمت، وربما تبسموا طويلا وهم يقرأون ويتابعون ما يكتب، لأن السياسي والمسؤول الذي لا يتقبل ما يقال برحابة الصدر لا يحق له أن يكون أصلا سياسيا أو مسؤولا، وعليه أن يلزم بيته إذا كان يخاف أن تصبح فلتاته وعثراته محط تندر وتفكه. ما يدهشني ويقلقني هو أن تصدر تلك الاتهامات من جيش الاحتياط الحالم بالتقاط الفتات من موائد الأسياد.. يتوارى الشيوخ ويجذب المريدون ليضربوا ذات اليمين وذات الشمال.. وها هم ينعتون هذا المخيال الجميل والممتع بالشعبوية والفوضوية والمأجورية وغيرها. وكعادة المريدين الهواة نراهم يرددون جزءا من كلام الشيوخ ويحملونه على هواهم كل الدلالات الممكنة وغير الممكنة. هل عرف هؤلاء أن الشعبوية لم تتحدد لحد اليوم كمفهوم واضح الدلالة إذ يقصد بها المعنى ونقيضه.. فهي تطلق أحيانا على الفكر اليساري المتمرد على المؤسسات كما تطلق على الفكر اليميني .. وتطلق أيضا على السياسي الذي يدغدغ مشاعر الفئات البسيطة التي لا تعي خلفياته من أجل أن يكسبها كورقة ضغط لتحقيق مآربه السياسية. . في كل مرة ينشط خيال الشعب تطلع علينا هذه الجوقات كالكورس الذي كان يزمر لافتتاح المأساة أو الملهاة في الدراما القديمة.
شخصيا، عندما التقط فلتة أو عثرة لأكتب لا يحركني موقف شخصي من شخص ما ، بل يحركني النظر إلى الفلتة كمادة إبداعية أمارس من خلالها شغفي وجنوني في الكتابة وأريد أن يشاركني الناس جمال ومتعة لحظة الإبداع. وعندما أريد ان أتعارك سياسيا فانا أعرف سياقات ومنابر تصريف المواقف والقناعات وأعبر عنها بكل مسؤولية وشجاعة لأن درب النضال علمنا المواجهة وعدم الضرب من تحت الحزام. فاتركوا أيها المريدون قبح عاداتكم لأن الزمن تغير وصارت الدراما تقدم في عصرنا من غير جوق . كم تبدون صغارا عندما تلجمون ملكة الشعب الإبداعية إرضاء لبطونكم.
أقول قولي هذا والعصمة لله الذي وهبنا العقل والخيال.. فمن حاججنا بالمنطق حاججناه، ومن أساء لنوايانا لن نغض عنه الطرف، وسنكتب عنه بلغة كليلة ودمنة لننطقه بلسان الحيوان.

عن هيئة النشر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!