الرئيسية + ثقافة و فنون + أدب من الشمال + الواقعي والعجائبي في رواية “ربيع الأقلام” لمحمد العربي الجباري

الواقعي والعجائبي في رواية “ربيع الأقلام” لمحمد العربي الجباري

عرض وقراءة : د. نجيب الجباري

“كلما بريت قلمي براني” (ميخائيل نعيمة)
على سبيل البدء :
لم تعد الرواية حكرا على الأدباء والروائيين والقصاصين وحدهم، بل تحولت إلى فضاء إبداعي وجمالي تحج إليه مختلف الأقلام ذات المرجعيات المتباينة والتخصصات المختلفة، فقد كتب الرواية كبار الأطباء كيوسف إدريس، ولجأ إليها المهندسون من قبيل عبد الرحمان منيف، واتخذها بعض الساسة وسيلة للتعبير عن توجهاتهم ومبادئهم من أمثال أندري مالرو وحسن أوريد … كما اشتغل بها كبار الفلاسفة من طينة سارتر وأمبرتو إيكو ونجيب محفوظ ومحمد عابد الجابري … وكتب الرواية المؤرخون أيضا من أمثال عبد الله العروي وأحمد التوفيق … ولعل السر في ذلك يعود إلى كون هذا النوع الإبداعي المنفتح يمنح لكل الأقلام المبدعة إمكانات هائلة وغير محدودة للتعبير عن تصوراتهم حول قضايا الإنسان والكون والحياة، مبتكرين مجموعة من الشخصيات الورقية هي بمثابة أقنعة تنوب عنهم في تبليغ رسائلهم إلى من يهمهم الأمر، بأساليب إبداعية رمزية إيحائية وخيالية أو حتى عجائبية وسوريالية، تقيهم عاقبة الخطابات المباشرة التي قد لا تسمح بها سياقاتهم الخاصة والعامة.
ومن ضمن هؤلاء الكتاب الذين جاؤوا من مجال وتخصص آخر وأقصد به تخصص التاريخ الكاتب المبدع محمد العربي الجباريـ فبعد صدور روايته الأولى قصر الإلهام يعود ليصدر روايته الجديدة “ربيع الأقلام”، وهي عمل إبداعي لا يتشابه في شيء مع العمل الأول باستثناء كونه ينتمي إلى جنس الرواية مرة أخرى … فإذا كانت روايته الأولى تمتح من التاريخ المحلي فإن عمله هذا ينحو منحى آخر، الأمر الذي يجعلنا نجزم منذ البدء بأن الكاتب محمد العربي ينقب في مناح جديدة باحثا عن إغناء تجربته موضوعا وتقنية … وكل ذلك بسبب رغبته في التجذر في دوائر الإبداع الساعية إلى الانتظام في الصفوف المناهضة لكل أشكال محاولة عزل المبدع عن إشكالات المعرفة والمشاركة في همومها وطرح الأسئلة الحارقة حولها.
إن النص الذي نود مساءلته ومحاولة الإنصات إلى ما يمور به من أحداث ودلالات رواية أو كتابة لا تكف عن تجاوز مكونات الكتابة الروائية بدءا من العنوان مرورا بالعتبات الأخرى ووصولا إلى الأحداث ودلالاتها … تنبئ عن وعي خاص نابع من مشروع روائي يروم تجاوز السائد وخلق غرابة بين النص والمتلقي. فلكل نص أدبي طريقة تأليف تخصه، إذ تعبر هذه الطريقة عن استقلاليته وتفرده بذاته، ولكل كاتب أسلوبه الخاص الذي يميزه عن غيره مما يضفيه على المخزون الثقافي المشترك بينه وبين غيره من استخدام خاص ولمسات إبداعية متفردة. ومهما بلغ أي نص إبداعي من محاكاة النصوص الأخرى إلا أنه تبقى له خصائصه وتجربته الخاصة. والنص الذي بين أيدينا ينتمي إلى هذا النوع من النصوص له خصائص وسمات تتعلق ب :
أولا : على مستوى العنوان :
أول شيء يدفعنا الكاتب إلى التفكير معه فيه هو العنوان الذي اختاره لروايته “ربيع الأقلام” وهو عنوان يدعو القارئ إلى التوقف عنده متأملا فيه خصوصا وأنه يضعنا أمام عالمين متنافرين ومتباعدين وهما عالم الطبيعة المتمثل في كلمة “ربيع” وعالم “الأقلام”. وهذه الإشارة الأولية والمتعمدة في العنوان هي ما يؤكد البعد التخييلي والعجائبي الذي سيستحضره الكاتب داخل أجواء الرواية بدءا من الفضاء مرورا بالأحداث والشخصيات … فالعنوان تشويق استدراجي ينبئ القارئ بأنه سيصادف عالما استيهاميا فوق المألوف، الربيع هو فصل من فصول السنة فيه تتفتح الأزهار وتزدهي الأرض بآلاف الألوان بتناسق احتفالي قادم من تضارب الألوان واختلاف الأشكال … ينتظر الإنسان فصل الربيع للإطمئنان به والاحتفال بقدومه …كما أننا نقول “ربيع العمر” ونعني الفترة الزاهية من عمر الإنسان … ونستعير أيضا كلمة الربيع للتعبير عن تلك المسيرات والانتفاضات الشعبية التي حاولت تحقيق أحلام ما عادت تستطيع تأجيلها فأسمتها ثورة الربيع العربي، وهو أشهر ربيع عرفته الأزمنة الحديثة.
وإذا كانت كلمة الربيع مرتبطة بالعرب فإن الكاتب في هذا العنوان قد أسندها الى الأقلام. والأقلام جمع قلم، وما أكثر من مجد القلم وأعلى من شأنه وجعله رمزا دالا على أهمية الكتابة والتأليف باعتباره علامة من علامات الحضور الحضاري المتعدد الأوجه من حيث الوظائف التي يؤديها والمنافع التي يحققها … وخلال كل صفحات الرواية سنجد الكاتب يمجد الأقلام ويجعلها جزءا حميما من حياتنا اليومية، ويظهر هذا جليا حتى في الإهداء الذي ارتضاه الكاتب لروايته، فقد أهداها على غير عادة أغلب الكتاب إلى الأقلام باعتبارها رمزا للتاريخ وللحضارة ووسيلة لنشر العلم والفكر والإبداع.
لقد تحول القلم علامة ورمزا وشعارا لطائفة اجتماعية فاعلة في المجتمع المدني وهي طائفة الكتاب والمثقفين … والجمع بين اللفظتين في العنوان هي المفارقة اللافتة الأولى والتي قد تعطي للقارئ عناصر أولية لتلقي المتن والإمساك بتلابيبه … فهو عنوان إيهامي يؤدي إلى الغموض المقصود من طرف الكاتب.
إن دقة اختيار الكاتب لهذا العنوان ليست وليدة الصدفة، بل هي نتيجة لإمعان كبير وتدبر أكبر ووعي لافت بالأهمية القصوى التي يكتسيها العنوان باعتباره عتبة أولى وضرورية لولوج المتن الحكائي، ولكونه أيضا وبمعية الغلاف واللوحة التشكيلية والإهداء … عناصر أساسية لمراودة المتلقي عن نفسه على حد تعبير “رولان بارط” والدفع به إلى الإقبال بشره على قراءة العمل دفعة واحدة.
إن القوة الدلالية والرمزية لهذا العنوان لا تعفينا من الإطلاع على فحوى الرواية الطافحة بمجموعة من التمظهرات والمفاجآت.
ثانيا : على مستوى الحدث :
تتمحور أحداث هذه الرواية حول محكي مركزي هو محكي بطل الرواية الكاتب الخمسيني الأعزب الذي تعمد الكاتب أن يجعله نكرة لا اسم له ولعل في ذلك إيحاء بانسحاب هذه الشخصية على كل الكتاب، ومحكي ثان هو محكي الأقلام. على أن ما يميز المحكيين هو دورهما الوظيفي في البنية السردية، فحكاية الكاتب الخمسيني حكاية واقعية أما حكاية القلم وأقرانه من الأقلام فهي حكاية مأساوية غرائبية … وهذه الغرائبية تبدو أيضا في الفضاء الذي تجري فيه أحداث الرواية وهو دولة قمعستان، بلد بلا هوية ليس له موقع في خريطة العالم … بلد لا يشير في واقع الأمر إلى بلد بعينه لأنه غير محدد تحديدا دقيقا، ولكن لابأس فكثيرة هي الروايات العربية المعاصرة الواقعية غير محددة الفضاء … وبالتالي يصعب التكهن بتأكيد مرجعية محددة له … ولكنه فضاء مفتوح يجلب الدهشة ويهيئ الأجواء للولوج إلى عوالم الرعب والخوف … فضاء موحش ووحشي ينذر بالتحول ويشي بحلول عالم الهلاك والموت … فضاء يرمز إلى العالم العربي كله في فترة حرجة وعقيمة يعيشها هذا العالم وما يزال، عقم ثقافي وحالة من العجز أصابت المثقفين حيث اختفت روحهم النضالية وانطفأت جذوتهم الثورية. يقول الروائي في بداية روايته : “هكذا باتت بلاد قمعستان مرتعا للاستبداد وإقصاء الآخر وإلغائه من الوجود في شكل تطهير ثقافي واجتماعي”.
هذا الخطاب التمهيدي للدخول في عملية الحكي لم يدرج عبثا، إنما هو من جهة إشارة أولية متعمدة تؤكد على المكون ألغرائبي الذي يستحضره الكاتب داخل أجواء الرواية كفضاء مغاير يتعالق بباقي فضاءات النص العادية والمكرسة للمناخ الواقعي كالبيت والساحة الكبرى والبرلمان والمكتبة القومية … وورود هذه الأمكنة الواقعية إشارة لها أهميتها في لعبة إبداعية تتغيا توهيم القارئ بمشروعيتها ويتم ذلك عن طريق تسليط الضوء على جزئيات المكان : “آه … المكان إنه الموضوع الذي أخذ حيزا كبيرا في النقاشات بين المدونين ربما لأهميته إذ أرادوه مكانا حساسا حيويا … إن أنسب مكان للتجمهر هو المكتبة القومية وهو من جهة أخرى نية مقصديتها ذات رؤية مزدوجة هي تشويق استدراجي ينبئ القارئ بأنه سيصادف عالما عجائبيا فوق المعتاد، وهي كسر للدهشة التي توثق مخيال القارئ عميقا بسلطة عالم استيهامي محض، عالم مرتبط بغربة الإنسان العربي وافتقاده للحميمية والدفء، عالم متخن بجراح القمع والزيف والفساد وغياب الحريات الفردية والجماعية … إنه فضاء معبر عن القطيعة في وجهيها المادي والمعنوي، ولكن هذه القطيعة لا تعدو أن تكون ظرفية، صحيح أنها ترتبط بزمن الخوف والقمع والوحشية … لكنها قد لا تكون كذلك في زمن قادم، زمن العدل والحرية والديمقراطية.
ولطالما أن الفضاء الذي تتحرك فيه أو بمقتضاه أحداث الرواية فضاء تخييلي فإن عنصر المعرفة التاريخية يتراجع إلى الخلف ويترك المجال مفتوحا أمام لغة الخيال باعتبارها مادة أساسية في بناء التصور وتشييد مشاهد دينامية ودرامية في آن، تعبر عن الحس الفني الذي تجاهد الرواية لتأسيسه وبلورة سماته العامة.
تبدأ الرواية بتصوير بطلها الكاتب الخمسيني وهو عائد إلى بيته منقبض النفس مذهولا مصدوما لما آلت إليه الأوضاع بعد فض الإعتصام من الساحة الكبرى بشكل وحشي … وتخاذل الثوار من المثقفين والكتاب من أمثاله وتراجعهم وإيثارهم الاستكانة والخضوع والخنوع والانصياع للنظام مما أدى للاسف إلى فشل الثورة وعدم نجاحها بالصورة المخطط لها سلفا، فإما لأن هذه النخب الثقافية والسياسية تشرذمت بفعل الأطماع الشخصية لبعض الذين شاركوا أو لم يشاركوا فيها، أو سرقت بوساطة قوى ديكتاتورية جديدة تقلدت الأمور بدعوى الحفاظ على الأمن والوحدة وتفادي الفتنة … والنتيجة أن الديمقراطية لم تترك أبدا لتنال حصتها من النجاح أو الفشل حتى يستقيم لها عود.
ويرى الكاتب أنه من الممكن أن تظهر ثورات جديدة تتخذ من ذلك الربيع الذي أضحى خريفا متكئا لتحقيق الحرية المنشودة.
أمام هذه الوضعية الجديدة والغريبة أصيب البطل بالاكتئاب وبنوع من فوبيا الكتابة إن صح التعبير، حيث صار ينفر من الكتابة ومن حمل قلمه مما نتج عنه عجز في التعبير وجفاف في الخيال وإضراب كلي عن الكتابة والتأليف. وفجأة قرر صاحبنا الهروب إلى قريته بالشمال الشرقي بحثا عن الطمأنينة والراحة النفسية بدون أن يحمل قلمه ولا أي شيء يربطه بعالم الكتابة. ترك هذا الكاتب المحبط قلمه الحبري الأحمر الأنيق على مكتبه الجوزي اللون وخرج متسللا إلى المجهول، وهو يغادر بكل هذا الارتباك نسي حتى أن يطفئ جهاز التلفاز.
هنا تأتي الحكاية الثانية وهي حكاية القلم ، قلم الكاتب الخمسيني الأثير والثمين الذي كان قد أهداه له أحد أصدقائه في إحدى المناسبات … في هذه الأثناء استرعى انتباهه ما تبثه التلفزة من مشاهد ثورة الربيع العربي وما تسمعه من شعارات يرددها بعض من تبقى من الجماهير المعتصمة في بعض الساحات الهامشية بعاصمة قمعستان، وبفعل هذه الترانيم والشعارات شعر القلم بروح تدب في جسمه وتستيقظ معها كل أحاسيسه، لقد حلت فيه روح على حين غرة ليتحول إلى كائن قلمي جديد وتزايد حجمه تدريجيا حتى غدا طوله يقارب قامة صاحبه،وأصبح يفكر مثله ويتكلم مثله، “بدأ القلم يحادث نفسه بهمس تشوبه رهبة ورعب من فجائية الموقف كأن مسخا مسه من فعل ساحر أو جنية كما يحدث في الأحاجي القديمة”. بعهدها نهض القلم إلى مكتب صاحبه وأخذ يبحث عما يغذي به فكره وروحه متتبعا الأحداث والوقائع، ونتيجة تأثره بما شاهده من اندحار الربيع الديمقراطي في بلد قمعستان قرر هو الأخر أن يثور ضد حملته من الكتاب خصوصا المثقفين والسياسيين المفلسين والمتخاذلين منهم، تماما كما ثارت الشعوب ضد حكامها المستبدين. ولتحقيق هذه الأمنية حاول التواصل مع باقي أقلام العالم بعد أن فتح حسابا خاصا به بالفايسبوك، وهنا إشارة واضحة للدور الذي لعبه العالم الافتراضي في ثورات الربيع العربي حيث منه هبت العاصفة والثورة على بعض الأنظمة العربية السياسية الفاسدة فضاء لم يتوقعه أحد ولم يحسب له أي حساب جاد فإذا به يهزم أعتى الأنظمة ويكشف عجزها أمام قوة هلامية وزئبقية تفر من بين يديها ولا تستطيع الوصول إليها والتحكم فيها، وهو فضاء يتمتع بالحرية على عكس العالم الواقعي، الحرية فيه تتخذ مساحات واسعة فيها متنفس للروح وللتعبير، وهو نفس الأمر الذي حاوله القلم عندما فتح حسابه الإلكتروني تحت اسم ربيع الأقلام وبدأ يرسل من خلاله ايمالياته كوسيلة للتراسل والتواصل، وقد نجح في استثمار شيق لمفهوم الافتراضي بشجرة أنسابه التي تصله بالتطور الذي شهدته عوالم مثل وسائط الإعلام المتعددة كالتواصل الاجتماعي وتقنيات الكومبيوتر والمعلوميات والصور الافتراضية التي اخترقت بدورها المتخيل. فقد وجدت الأقلام ضالتها في هذا الفضاء ودخلته من أبوابه الواسعة واتخذته وسيلة فعالة لإبلاغ رسائلها وأفكارها ونشرها بسرعة فائقة … وهكذا ستبدو ثورة الأقلام عالمية وفي متناول الجميع.
وما هي إلا ساعات حتى بدأت تتواصل معه باقي الأقلام بمختلف الأطياف والأشكال والألوان وتأتيه رسائلها المؤيدة والمتضامنة مع دعوته تحت مسميات من قبيل القلم الرائد والقلم البطل والقلم الثائر … وقررت الأقلام تأسيس حركة سمتها “حركة الأقلام من أجل التغيير” وبعد نقاشات وحوارات مثمرة بينها أعلن القلم الرائد لرفاقه ضرورة القيام بثورة قلمية تنويرية على الوصاية والحجر وعلى كل من يسيء إلى القلم من الحملة والكتاب والمثقفين والسياسيين والإعلاميين والخطباء وغيرهم، وفعلا انطلقت الثورة يوم الأحد صباحا وبدأت حشود الأقلام تتوافد من أطراف العاصمة على ساحة المكتبة القومية بالعاصمة، وأمام هذه الحشود الغفيرة من الأقلام المختلفة الألوان والأشكال والأحجام تسمرت قوى القمع والأمن والتي ظلت مشدوهة وبدت مرتبكة أمام هذا المشهد غير المألوف، وفي هذه الأثناء فوجئت الأقلام بالصحفيين والإعلاميين الذين جاؤوا من كل الفضائيات المحلية والعالمية لتغطية الحدث باهتمام بالغ واندهاش كبير، استمرت الثورة سبعة أيام بين مد وجزر وكر وفر مع قوات الأمن والقمع ومكافحة الشغب والأقلام البلطجية، ذلك أن النظام كان يخشى أن يمتد تأثير ثورة الأقلام على الجماهير الشعبية وهو الذي قضى عليها بالنار والحديد أولا وبالخداع والمكر والركوب على النتائج ثانيا، ولهذا تعرضت الأقلام لهجوم مباغث وكاسح ألحق بها خسائر مادية جسيمة ورغم ذلك استماتت الأقلام في نضالها بل ونقلت معركتها السلمية من محيط المكتبة القومية إلى الساحة الكبرى التي تغير اسمها إلى ساحة الأنوار.
ولكي تنجح الأقلام في ثورتها السلمية نظمت نفسها في حركات مثل “حركة الأقلام الحرة” “نادي الربيع القلمي” “جمعية الأقلام للتنوير” “حماة الثقافة والإبداع”. وما أن أوشكت ثورة الأقلام على الاحتفال بنجاحها وانتصارها حتى اعترفت قوى الظلم والظلام بقوة الثورة وقررت إبرام هدنة وصفقة صلح بحضور كل وسائل الإعلام وأقلام الشخصيات العالمية، وفي الوقت الذي كانت تستعد فيه بالاحتفال لم ترض الأقلام المعادية والبلطجية أقلام العهر والفساد والنفاق والزيف بهذا النصر وهذا النجاح فدبرت مكيدة وخدعة للقضاء على قائد الثورة القلم الرائد يكون بطلها القلم الحديدي الذي كان يقود الكتيبة وفي حركة عجيبة انطلق كالسهم في عملية انتحارية ليصيب قائد الثورة في مقتل، وقبل أن يودع الحياة أوصى القلم الرائد رفاقه بمواصلة النضال حتى تحقق الثورة أهدافها كاملة وحتى يعم الأمن والأمان والحرية والديمقراطية الحقيقية.
وقصة القلم الحديدي قصة غريبة، فبعد أن كانت له صولات وجولات في مكافحة الشغب وتعنيف المتظاهرين وقع في حب ريشة كانت من بين المناضلين النشيطين، هام بها وملكت عليه قلبه ومشاعره، يقول السارد على لسان هذا المحب الولهان : “أتعرفين أني لم أجث لمخلوق ما ؟ لكم أستغرب لما قمت بها الآن أتدركين أنك ملكت قلبي وأنني لن أحيد عن حبك مهما كلفني الأمر، حبيبتي إني أخاف أن يخنقني هذا الكم من الحب الذي أكنه لك سيما إذا لم تبادليني إياه بنفس العنفوان”.
فماذا يريد الكاتب من إيراد قصة الحب هذه في معمعة النضال والثورة ؟
من الطبيعي أن تثير الرواية الانتباه إلى فاعلية وحضور الأنثى وما تتمتع به من قدرة على المشاركة في الثورات والنضالات التي خاضتها الشعوب من جهة، وفي إعادة كتابة التاريخ من جهة ثانية، الأنثى قادرة على نشر الوعي الثوري وقيادته وترشيده، فالعلاقة بين المرأة والثورة علاقة قديمة جدا، فقد كانت المرأة دوما مشاركة في كل الثورات القديمة والحديثة، وفي مضمار البحث عن الحرية والانعتاق كانت المرأة حاضرة وبقوة.كما أنها قادرة على تغليف هذا الفعل الثوري وصبغه بطابع رومانسي. إن قصة الحب الخيالية التي ربطت بين الريشة والقلم الحديدي قصة حب ذات همس سياسي ناعم يؤكد على أن الثورة ولادة، وهي لذلك مزيج من الألم والانتشاء … ومن الحرب والحب … وأن بعد أعظم لحظات الوجع والأذى تأتي لحظات الحب والعشق : “نتساءل كيف استطاع قلمنا الحديدي أن يعيش هذه الشزوفرينيا بين ليل وصباحه، ويوفق بين حالتين متناقضتين : حالة العاشق الولهان وحالة الجندي الصارم والمتفاني في أداء واجبه …”.
مثل هذه الإشارات الرومانسية كثيرة في الرواية والتي تشهد على عميق الدلالة على أنه في زمن الثورة الصعب وفي الجو السياسي ذي الرياح الشديدة لابد للمرء أن يعانق ضوء الشمس ويقطف أزهار الخير والحب والتي ستتفتح وتنشر عبيرها ومباهجها في الحياة ملمحا إلى أن الثورة والحب لا ينفصلان لأن بينهما قواسم مشتركة وصلات قربى، فنحن نثور لأننا نريد أن نحب، نريد أن يكون لحبنا معنى غير ملطخ بالخوف، الخوف من الذل ومن الكراهية ومن العبودية ومن الفقر ومن الأمية ومن ضياع الحلم..إننا نثور لأننا نحلم، ومن لا يحلم لا يثور ولا يحب، إن الثائر يحتاج إلى الحب لكي يبقى يقدم الورود لوطنه والذي يمنحه اليقين بأن ثمة فجرا وربيعا حقيقيا سيزور لا محالة هذا الوطن.
وكما بدأ الروائي روايته بحكاية الكاتب الخمسيني سيختمها به أيضا حيث سيعود هذا البطل إلى مدينته بعدما علم بما جرى من تحول قلمه وتزعمه للثورة .وصل الكاتب إلى مكان احتضار قلمه ودار بينهما حوار ودي اعتذر فيه الكاتب لقلمه وأكد له بأنه سيتابع مسيرته التي بدأها … وهنا دوت في الساحة شعارات مدوية ،لقد جاءت الجماهير الشعبية لتساند أقلامها في ثورتها وتشاركها فرحتها بالنصر من أجل قضية الحرية والفكر والتنوير.
ثالثا : حدود الواقع والخيال :
نحن لا نحتاج أن نقرأ رواية لمجرد أننا نرغب في قراءة رواية، إننا نحتاج إلى رؤية عالم لم نره، ولم نقرأ عنه من قبل لدى شروعنا في قراءة رواية جديدة، ذلك بأن الرواية معنية بفتح عالم جديد أمام قارئها. لقد حاول الروائي أن يعبر عن هذا الواقع الغامض باستثمار الأجواء الغرائبية وذلك للتعبير عن رؤاه، لأن عالم الرواية يفتح أمام المخيلة مجالات ورؤى أوسع أفقا.وهنا تكمن متعة قراءة هذه الرواية،و كذلك تكمن خصوصيتها وأهميتها، فهي من ناحية تتألف من عالم واقعي وعالم آخر خيالي، تصف عالما واقعا يتكون من الناس وتتحدث في نفس الوقت عن عالم يبدو لا معقولا ولا يخضع للمنطق والعقل هو ثورة الأقلام التي جعلها الروائي شخوصا روائية تطرح أسئلة معقولة لها حمولة رمزية شديدة الخطورة من قبيل أسئلة الحرية في التعبير والحق في الوجود وفي الاحتجاج … ووضع هذه الأسئلة المعقولة في وضعية تبدو غير معقولة، وهي وضعية المثقفين وحملة الأقلام في أكثر من بلد في العالم وربما في معظم البلدان وربما في كلها والتي تعيش المأساة المركبة أو المقنعة،مأساة شلل أقلامها أو سجنها أو توقيفها أو تغييبها أو جعلها كقطيع يأتمر ويصغي إلى حرف غير حرفه وكلمة غير كلمته ولغة غير لغته … أوإصابتها بالخرس الأبدي.
وأظن أن التعبير الأكثر دقة هنا هو أنه رغم كل هذا الخروج عن عالم الواقع إنما هو بذات اللحظة التصاق شديد بدقة تفاصيل الواقع الذي يغدو مسبحة في يد السارد. لقد صاغ الكاتب روايته بهذه الطريقة الغرائبية والعجائبية كقناع فسح له المجال لقول ما يريد قوله دون خوف من عقاب أو محاسبة من قبل الرقيب سيما وأنه يكتب عن فترة جد حرجة وحساسة، فترة متكأ الواقع السياسي نفسه الذي اتكأت عليه الرواية وهو واقع ثورة الربيع العربي الديمقراطي.
صحيح أن الرواية اشتغلت على أطروحة الثورة انطلاقا من انتفاضة الأقلام، ولكن هذا لا يعني أنها تأريخ جديد لثورة الربيع العربي، إنما هي بحسب الروائي محاولة إعادة إنتاج الثورة تخيليا أي نقلها من الواقع إلى الفانطازي أو المتخيل..لكن ما حدث هو أن هذا المتخيل نجح في إسقاط مسوح المقدس عن التاريخ الرسمي لثورة الربيع العربي وبالطبع كان الكاتب مجسدا لتجربة إنسانية حدثت، وهي تجربة عاشها وعايشها وعشناها معه كمتابعين وشاهدين وقراء … عاكسا كل الأبعاد العميقة التي يمر منها الناس في مثل هذه الظروف. وعلى الرغم من أن قراء كثيرين عاشوا هذه التجربة وهم يقرأون هذه الرواية إلا أنه ليس من الضروري أن تكون تصوراتهم عنها قريبة أو بعيدة عما ورد فيها.
على سبيل الختم :
وبالمجمل تعتبر رواية “ربيع الأقلام” حديثا رمزيا وسورياليا حول ثورة الربيع الديمقراطي من خلال ثورة الأقلام التي تحولت وأصبحت تجمع بين صفات ومميزات الإنسان وما يعانيه من محن وآلام وظلم وعدوان وعذاب … يصف السارد صدمة الناس ورد فعلهم على هذه الثورة القلمية قائلا : “… بدا عليهم الذهول والحيرة من هذا الوضع السريالي لا يفقهون شيئا مما يجري ،صدمتهم هذه الثورة الفريدة وغير المتوقعة، شلتهم عن التصرف أو المبادرة”.
لقد كان بمستطاع الأقلام الحرة والرائدة أن تقوم بدور أكبر وأشد تأثيرا مما قامت به إبان ثورة الربيع، وذلك بتأطير الجماهير والتلاحم معها دون التقوقع أو التعالي عنها … والتفاؤل بغد أفضل وبمستقبل زاهر ستساهم في بنائه مع حملتها من المثقفين والسياسيين والكتاب الشرفاء والتنويريين الذين هم على حد قول “غرامشي” هم آباء الحركات وأمهاتها، ومن جهة أخرى هم أولادها أيضا … فمن غير حملة الأقلام لم تكن لتشتعل أي ثورة رئيسية وأي محاولة للتغيير والتجديد والتحديث ورسم أفق جميل تسوده الديمقراطية والعدل والحرية والكرامة.
ولذلك فإن دور الأقلام الصادقة والهادفة محوري في هذه المرحلة التاريخية والسياسية، ومن الضرورة بمكان أن تعطى للمنابر والقامات الكبيرة الحرية والمسؤولية الأولى حتى تقود الخطاب الثقافي والسياسي والاجتماعي وتعيد الاعتبار للأقلام التي تعرضت للاختطاف والدهس ومحاولة التصفية على يد الأقلام الأخرى الخائنة والحديدية التي وضعت في يد من ادعى في وقت من الأوقات دعاوى التقدم والاشتراكية والعدالة الاجتماعية والتمدن والتحضر أوعلى يد الفئة التي جعلت نفسها قيمة ووصية على الأمة تحلل لها ماشاءت وتحرم عليها متى شاءت … يقول السارد في نهاية الرواية : “لقد خنت التاريخ وأخطأت الموعد معه مرة أخرى مثلي مثل باقي المثقفين. أتساءل ماذا يصيبنا نحن مثقفي أو قل متعلمي بلاد قمعستان في مثل هذه المنعطفات الحاسمة من التاريخ : كيف نغفل أو نتغافل عن صنع أمجاده، وأجراسه تدق معلنة بداية الانفراج ومعها طوق النجاة ؟”. ومع ذلك مازال هناك -يؤكد السارد – من حملة الأقلام من لديه القدرة على نفخ روح جديدة في كيان الأمة وفكرها وعقلها الجمعي : “ها أنت تجني ثمار ما زرعت، لقد تحقق ما كنت تعمل جاهدا من أجله، لقد أزهرت بذورك التي زرعتها بسرعة … انظر كيف أزهرت ثورة الأقلام المجيدة ثورة أخرى جماهيرية فما يفتأ التاريخ يقفل بابا حتى يفتح أخرى …”.
إن الوعي برسالة حملة الأقلام من الكتاب والمثقفين والإعلاميين وغيرهم ليس شعارا يرفع وليس إنشاء يكتب وتزين به الأدبيات الخالدة، إنه معاناة ومكابدة قاسية … هو انتباه فيقظة فنضال فتجديد للوعي يقصم الظهور وتنوء به الكواهل.

عن هيئة النشر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!