الرئيسية + أخبار + د.عبد الرحيم جيران لأصوات من الشمال:”لا يوجد عندنا مثقف و الجامعة المغربية تراجعت عن أدوارها”

د.عبد الرحيم جيران لأصوات من الشمال:”لا يوجد عندنا مثقف و الجامعة المغربية تراجعت عن أدوارها”

أصوات الشمال تنفرد بحوار استتنائي مع  الأكاديمي والأديب الدكتور عبد الرحيم جيران المتوج بجائزة المغرب للكتاب عن عمله” الحجر والبركة” صنف الرواية(2019)، الحوار لايتوخى تحليل اعماله الروائية، بل كشف علاقة المثقف بالسياسة وبالتحولات الاجتماعية والثقافية، والصحية. لايكتمل مفهوم المثقف لدى عبد الرحيم جيران إلا في ضوء تحويل الفكر الى اساس مادي، وهنا ينبه جيران الى تحول وسائط المثقف الذي وجد في أشكال التواصل الاجتماعي متاحا ديمقراطيا وقدرات من الحرية. جيران بعد نفيه لحضور المثقف تبعا المفهوم الغربي يدين الوضع الراهن الذي جعل الجامعة غير قادرة  على  المساهمة في تطوير اقتصاد المعرفة. في الحوار ستكتشفون صورة أخرى المثقف الشرس المفتون بمختلف الأجناس الأدبية، والمنتصر للقضايا الوطنية والقومية، والإنسانية.

الحوار من إنجاز: محمد الساحلي

“لن يُنقذ المصير البشري إلا بهدم النظام الرأسمالي المتوحش”

 – كيف تنظر إلى المثقف العربي في ضوء التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية، وإلى علاقته الملتبسة بالسياسي؟

أتساءل أولا: هل لدينا مثقف بالمعنى الذي أعطي له في الغرب المحضن الذي نشأ فيه؟ وينبغي قبل الإجابة أن نحدد مفهومه؛ فالمثقف هو رجل فكر منتج لا يكتفي بالتنظير، بل يحول ما يفكر في إلى إنتاج مادي، من طريق النزول إلى الشارع مشاركا في الاحتجاجات التي يرى أنها تدافع عن القضايا الكبرى المتصلة بالعدالة والمساواة والحرية، وغير ذلك من القيم الإنسانية. ولنا في التاريخ جدا أمثلة واضحة لهذا النوع من المثقف، وأفكر في هذا الصدد في بيير بورديو، وجون بول سارتر، وميشيل فوكو. لا يوجد عندنا مثقف بهذا المعنى، وإنما بمفكرين وأدباء ينزهون أنفسهم عن الخوض في الشأن العام، ومصاحبة الناس في الدفاع عن القضايا العادلة، ويتمسكون بأبراجهم العاجية ورفعة خطاباتهم، بل إنهم ينظرون إلى زملائهم الذين يريدون لعب دورهم كاملا في الارتباط بالجماهير نظرة سخرية وازدراء. لهذا لا يصحّ أن نقول إن دور المكر أو الأديب قد تراجع، لأنهما أصلا لا يمثلا صفة المثقف. ولربما هذا الأمر عائد إلى سبيين: أولهما له صلة بعدم القدرة على مجابهة أنظمة مستبدة، وثانيهما العجز عن فهم الواقع وإنتاج فكر تنويري أكثر فاعلية وقدرة على النفاذ إلى الأوساط العريضة من المجتمع.

س- هل لاتزال دعوة غرامشي إلى المثقف العضوي ذات جدوى بعد الانهيارات التي عرفتها الايدولوجيات، ونكوص القيم؟

أكيد أنّنا اليوم نشهد تصاعدا للخبراء الذين يقدمون خبرتهم للمؤسسات ووسائل الإعلام مقابل المال؛ لأن الفكر والمعرفة تحولا إلى بضاعة بحكم انهيار القيم التي تجد أساسها في السرديات الكبرى التي تفسر العالم. ولهذا فإن مفهوم المثقف العضوي عند غرامشي لا حظ له في أن يجد صدى له في الوسط الثقافي المعاصر على الرغم من أهميته. هل تدهور من هذا القبيل يدعو إلى اليأس، وقبول الأمر الواقع؛ لا اظن أبدا، فالمجتمع به وسائله التي يستطيع بها التعبير عن نفسه، وليس بالضرورة أن يعتمد على المثقف في مأموريته هاته؛ لأن دور المثقف كان يلعب دور الوسيط الذي يصوغ تطلعات المجتمع كتابة في سياق لم يكن التعليم قد صار موهوبا للجميع، كما أن وسائل التعبير الأسس التي كانت تصوغ الرأي العام لم تعد تحتكر هذا الدور، وأقصد بهذا الصحف والكتب والإذاعة والتلفزيون؛ فقد ظهرت وسائط التواصل الاجتماعي التي وفرت فضاء ديمقراطيا للنقاش والتعبئة وصياغة المواقف والتعبير عنها. هذا التحول في وسائل التعبير عن الرأي ستنتج نمطا آخر من المثقف العام المتورِّط في قضايا عصره، والذي سيكون له من التأثير نصيبا أوفر حظا من المثقف التقليدي.

 هل يستطيع الأدب كرأسمال رمزي ان يساهم في تنمية المجتمع أخلاقيا واجتماعيا؟

ج- ليس بطريقة مباشرة، فهو ليس بخطاب سياسي؛ كما أنه لا يقدم الحلول، بل يعمل على إنتاج الأسئلة بوسائله الفنية الخاصة. ولهذا لا ينبغي أن نطلب من الأدب القيام بدور ليس له. بيد أن هذا لا يمنع من القول إنه يؤثر في المجتمع من طريق المساهمة في فهمه، ومن طريق العمل على هدم الرؤيات التقليدية إلى الإنسان والعالم، والتي تمنع من فهم تحولات الواقع. وإذا كان من الضروري إسناد دور للأدب على المستوى الاجتماعي فإنني أعده مساهما في خلق رهافة الحس التي تنمي في الإنسان قيم التفهم وقبول الاختلاف والآخر؛ نظرا لأن الأدب يستهدف دوما إعادة إنتاج الواقع، لا الحفاظ عليه كما هو، وذلك بمراعاة ما ينبغي أن يكون علبه؛ وبهذا فهو ينقذ الإنسان من اغترابه عن العالم.

انطلاقا من حياتك الأكاديمية الطويلة في الجامعة المغربية تدريسا وإشرافا على الأطاريح الجامعية، هل يمكن الحديث اليوم عن اقتصاد المعرفة؟

* ما اقتصاد المعرفة؟ يمكنني أن أتصوره ماثلا في تحويل المعرفة إلى إنتاج مذر للربح؛ سواء أتصل الأمر بالمعرفة التي ترتبط بالتدبير، والتي تساهم في تنظيم الاقتصاد بطريقة ناجعة أم اتصل بالمعرفة التي تقوم على التكنولوجيا، بما تعينه من ابتكار. لكن هذا النوع من المعرفة لا يتاح لها أن تتطور في مجتمعنا إذا لم نول أهمية للخيال، وننميه منذ الحضانة، وللأدب دور هام في هذا الصدد. لكن للأسف لا يتوافر لجامعاتنا حظ المساهمة في تطوير المعرفة؛ بحيث تؤدي إلى نشوء اقتصادها، نظرا لطبيع التكوين السائدة تعليمنا القائم على التلقين والتكرار، لا على الإنتاج والابتكار. لدينا مختبرات وفرق بحثية، لكنها شكلية، تقام من أجل الترقي، ومن اجل الاستغلال الشخصي في إثبات الوجود الفردي داخل محيط جامعي لا يختلف في تنظيمه عن باقي الفضاءات الإدارية والاقتصادية التي تقوم فيها الولاءات بدور كبير. ويكفي النظر إلى التربة المتدنية المخجلة التي تحتلها الجامعة المغربية في التصنيف العالمي لكي نفهم العقم الذي يشل إرادة البحث العلمي فيها، والذي وحده بإمكانه أن يخلق اقتصاد معرفة ببلدنا.

– كيف تحقق الانتقال الجمالي بين مختلف الأجناس الأدبية التي ابدعت فيها، خاصة الشعر، القصة، الرواية؟

*طرح عليّ هذا السؤال مرارا، وكل مرة كان يطرح عليّ كنت أحس بأنني معني بتسويغ أمر غير مقبول. وكان من السهل والبديهي أن أكتفي بالقول: هذه هي شخصيتي؛ لا أستطيع تغييرها؛ لكن أظنني كنت منذ مراهقتي منشغلا بالشعر والسرد، وقد نشرت وأنا يافع قصائد شعرية، كما نشرت في مستهل الثمانينيات نصوصا سردية، بل لم أكتف بالشعر والقصة القصيرة، بل كتبت مسرحية عنوانها “صرخة مجنون” قدمت في التصفيات لمهرجان مسرح الهواة بقاعة عيد الصمد كنفاوي عام 1982. ولم أكتب الرواية إلا في مرحلة متأخرة، لأنها تحتاج في نظري إلى اختبار تجربة الحياة، وزاد من المعرفة. حين انتقل بين هذه الأجناس الأدبية المختلفة أحترم خصوصية كل جنس على حدة وطريقة تمثيل العالم فيه فنيا، ولا أحمله ما لا طاقة به. وأظن أنني أشبه في هذا الأمر العازف الذي يتقن العزف على أنواع مختلفة من الآلات؛ فهو يكيف جسده معها نقرا أو ضربا أو نفخا. لكن هل هناك ضرورة معرفية وراء هذا التعدد؟ أكيد فالواقع مركب ومتعدد الأوجه، أو لنقل له مداخل متعددة، ولهذا لا يمكن فهمه إلا بمراعاة تعدده هذا، وكل جنس أدبي يوفر لي القدرة على اقتحام مدخل خاص من مداخله.

– وفق منظوركم إلى أين يتجه العالم؟ وهل يمكن إنقاد البشرية مما يهددها من مخاطر صحية، واجتماعية، وفكرية، وبيئية؟

* لقد قدمت محاضرة تحت عنوان “إلى أين يتجه العالم” بمدينة طنجة بفندق الريف تلبية لدعوة تلقيتها من جمعية “منتدى الفكر والإبداع”. والعالم في ظني مواجه بموقفين لا ثالث لها: موقف الرأسمالية الفائقة العمياء، والموق البيئي. وهنا موقفان متعارضان وبخاصة على مستوى فهم التنمية، وأسسها. ولمن الأكيد أن موقف الرأسمالية الفائقة العمياء لا تبحث إلا في ما يراكم أرباح المساهمين في البورصات، وتنظر إلى المشكلات التي يواجهها العالم من زاوية قدرة العلم أن يحلها، من دون مس بالخط التصاعدي للتنمية كما تحددها من منظور تراكمي مالي. ويقف الموقف البيئي على النقيض من ذلك موقف معارضا لمفهوم التنمية التراكمي الذي لا يأخذ بعين المراعاة الحفاظ على أسباب الحياة وتنوع المحيط الحيوي؛ ومن ثمة فهي ترى إلى المصير البشري من زاوية احترام البيئة، على خلاف الرأسمالية الفائقة العمياء التي تسعى إلى التحكم في المصير البشري تكنولوجيا من طريق تحويل معطياته البيولوجية الطبيعية. ولعل أزمة الوباء الحالية تثبت بكل وضوح هشاشة النظام الرأسمالي، وعدم قدرته على مراعاة شروط الحياة من صحة وسكن وعمل، كما أظهرت تعافي الطبيعة بعد الحجر الصحي الذي شهده العالم. هل ستتعظ الرأسمالية من جراء هذه الأزمة، لا أظن، ولن يُنقذ المصير البشري إلا بهدمها بوصفها نظاما قد استنفد مهامه.

عن هيئة النشر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!