الرئيسية + أخبار + قبر جان جينيه في ظل التفاح (1) ..خطوات في الطريق إلى العرائش

قبر جان جينيه في ظل التفاح (1) ..خطوات في الطريق إلى العرائش

*شاكر نوري

منذ أن دفن الكاتب الفرنسي جان جينيه في ابريل العام 1986 في مدينة العرائش، التي تبعد 80 كيلومترا عن طنجة، والسؤال المؤلم يطرح نفسه: «لماذا أوصى هذا الكاتب بأن يدفن في أرض الغربة؟» لكن القناعة تقضي، بعيدا عن الإجابات المسبقة، أن يكون الموت بحد ذاته غربة، ابتعاداً عن الأرض داخل الأرض. منذ زمن طويل، عزمت على زيارة مدينة العرائش التي سمعت عنها الكثير ولكن وجود قبر جان جينيه في أرضها شجعني على زيارتها.

ذات مساء، قال صديقي الروائي كمال الخمليشي: «غداً، سأذهب إلى العرائش.. هل تأتي معي؟» قفزت من مقعدي.. وصرخت.. جان جينيه.. ضحك من أعماقه وقال: «بالتأكيد.. سنزور قبر جان جينيه». في البدء أخطأنا مكان المقبرة، حيث أرشدنا الناس إلى مقبرتين هما: مقبرة المسلمين ومقبرة المسيحيين، وسرعان ما اكتشفنا أننا في المكان الخطأ لأن البحر لا وجود له، ومن ثم اهتدينا إلى المكان الصحيح عندما أخبرنا الأدلاء عن المقبرة الأسبانية. العرائش لا تبعد سوى أربعين كيلومترا عن أصيلة. لم أستطع أن أحيد عن ذهني، طوال تلك الليلة، أسطورة هذا الكاتب وعلاقته الطيبة الحميمة مع العرب منذ تأديته لخدمته العسكرية في دمشق، وذهابه إلى مخيمات الفلسطينيين أثناء الاحتلال الإسرائيليّ ومجازر صبرا وشاتيلا.. وقلت في نفسي: لماذا ترك جان جينيه كل هذه الأراضي المترامية واختار أن يدفن في المغرب؟ تذكرت في الحال، الأسطورة اليونانية وتفاحات بنات ال«هسبيريد» الذهبية التي كانت شائعة في أرض العرائش في زمن الرومانيين وعهد البيزنطيين فيما بعد.

وقد اختلف علماء الأساطير في تحديد موضع ذلك البستان إلى أن انتهوا إلى المكان الذي سكنته حسان ال«هسبيريد» في ظل شجرة التفاح الذهبية، فقالوا إنه على شاطئ البحر عند مصبّه حيث تقوم اليوم مدينة العرائش. هل جاء جان جينيه الذي شيد له بيتا ثم قبرا هنا، باحثا عن آثار المدينة العريقة المسماة شمّيس، تحدثك خرائبها، لو وهبت النطق، كما يقول أمين الريحاني، عن ذلك البستان الذي كان يظللها وأولئك الحسان جيرانها، وتلك الشجرة كنزهنّ الذهبيّ، لقالت إن جان جينيه على حق في اختياره. هل جاءها جان جينيه ليبحث عن أساطير هذه المدينة؟ ذهبت الأساطير وما ذهبت روحها المثمرة على الدوام. فالعرائش الحديثة تناجي شمّيس القديمة، وخرائب شمّيس اليوم تنادي العرائش، وها هو التفاح الذهبيّ يستحيل في زماننا برتقالاً ورماناً وهذي هي حسان الـ «هسبيريد» – بنات الدجى- مجسدة في بنات المغرب السمراوات ذوات العيون المتألقة. كان ذلك نوعا من أخيلة الليل. وكنت أعرف بأن السفر إلى تلك الديار سيبدد كل تلك الأساطير. كانت أشعة الشمس باهرة حين وصلنا إلى مدينة العرائش. فهي مثل أغلب المدن المغربية: كل مدينة فيها بلدتان قديمة وجديدة.

وقد أسست خارج بوابة البلدية القديمة على قواعد البناء الحديثة في الهندسة والتخطيط. فهي في ساحاتها وفسيح جاداتها، وهندسة بيوتها وزخرفتها إسبانية. وكذلك في ساحتها الكبرى، بنخيلها وأزاهيرها ومجالسها المدهونة باللونين الأحمر والأزرق. وفي «كورنيشها» الممتدّ على البحر تستطيع أن تجلس في مقاهيها وتتأمل. بهذه الصورة الفاتنة، استوائية بدفء الخطّ الاستوائي ، وبنسيم ليله، لا بسموم نهاره. العرائش.. أول مدينة دخلها الجنود الأسبان بقيادة الجنرال سيلفستر بعد الاتفاق الفرنسي – الإسباني سنة 1912 حين نزل الجنرال ورجاله ليلاً في القوارب من المدرعة الإسبانية، حيث كان الشريف الريسوني آنذاك يُناوِر بين الحرب والهدنة. التاريخ ملقى على أرصفة المدينة وحوانيتها وبيوتها وعلى وجوه سكانها، اجتزنا السوق الكبيرة، بدكاكينها وأروقتها وقناطرها، وما تزال تعلق في آذاننا بقايا أصوات الصبية الذين كانوا يقرأون آيات قرآنية، بصوت عالٍ، في المدرسة التي تركناها خلفنا، ونحن نتوغّل في الطرقات المؤدية إلى المقبرة الإسبانية.

في تلك الأثناء كنت أفكر بهذا الكاتب المتمرد الذي أحَبَّ العالم العربي من أعماقه. فقد شاءت المصادفة أن يؤدي خدمته العسكرية في دمشق. وهناك تأثر بقراءة كتاب لورنس «أعمدة الحكمة السبعة» رغم أنه لم يتعلق بشخصية لورنس حيث قال عنه «كنت أعرف منذ ذلك الحين بأن لورنس كاذب وأنه كان مجندا في خدمة إنكلترا». فهو لا يذكر شيئا عن تلك الفترة في سيرته الذاتية «مذكرات لصّ» بل يذكرها في «أسير عاشق».

هناك تعرف على نخبة من الأصدقاء، وقد تألم كثيراً عندما رأى ما فعله الاستعمار الفرنسي، بل وشعر بخجل كونه ينتمي إلى فرنسا. في دمشق وجد جينيه بين عامي 1928 و 1929 عالمه المثالي في العلاقات الحميمة. كان يتمتع بالتجوال في سوق الحميدية والمسجد الأموي. كما كان يقضي الليل في لعب الورق وتعلم اللغة العربية.

مدينة العرائش التي اختارها جان جينيه، آخر مستقر له، تمتد، بجدرانها البيض الناصعة تحت أشعة الشمس، كأوراق بيض مفروشة في الأفق. جدرانها اكتست بالكلمات التي لم تقدر الأمطار على إزالتها، عبر دورتها الأزلية. ما هي الكتابة؟ قلت في نفسي. أليست ذاكرة أحمد الطفل الصغير الواقف بجوار بوابة بيته وقت الظهيرة. ذهبت إليه وسألته:

هل تعرف جان جينيه؟

فأجابني بلغة الواثق من نفسه: «نعم.. أعرفه جيدا». وأشار بأصبعه إلى المقبرة المطلة على البحر قائلاً: إنه مدفون هناك.

وكم كان عمرك حين دفنوه هناك؟

ـ سبعة أعوام.

وهل تتذكر يوم الدفن؟

ـ طبعاً.. جاؤوا بجان جينيه محمولاً في نعش على سيارة صفراء، وتراكضنا نحن جميع الأطفال، إلى المقبرة.

وهل يعرف الأطفال الآخرون جينيه مثلك؟

ـ أجل كلّ أطفال «الحومة»ـ المحلة ـ يعرفونه.

ماذا يعرفون عنه؟

ـ يعرفون أنه يؤلف الكتب.

ثم أشار الطفل أحمد إلى أحد المنازل قائلاً: «هنا مصطفى يعرف أشياء كثيرة عن جينيه». طرقنا الباب، فخرج إلينا شابّ يافع أطلّ علينا من الطابق العلوي. ثم نزل، وهو يحمل كراسة كتب فيها بعض الخواطر. وبعد أن سألناه عن جينيه، ترك كراسته في منزله وجاء معنا، يدلنا إلى المقبرة ولكي يدلنا على قبر جينيه الضائع بين القبور لأن شاهدة القبر قد ضاعتْ..

وربما قذفها الصغار إلى البحر! جان جينيه يحب البحر. ذهب إلى بيروت عن طريق البحر أثناء حصارها الرهيب في 15 سبتمبر العام 1982، دخل بيروت بحقيبة سفر خفيفة حيث شهد الاجتياح الإسرائيلي لبيروت.

بيروت جرح لم يندمل بعد. استدرت صوب مصطفى، صديق جينيه، قلت له:

من اختار هذه المقبرة لـ «جينيه»؟

ـ اختار المكان بنفسه. كان يعرف المقبرة جيدا. هذا بيته وهو قريب من هذا المكان.

لماذا اختار هذا المكان بالذات؟

ـ أعتقد، كما فهمت منه، أنه وقف ذات يوم وسط هذه المقبرة وأرسل نظره في جميع الجهات. من البحر، وعلى يسار المقبرة يوجد سجن وقلعة عسكرية. ربما أعجب بهذه الأجواء.

وأنت، هل لديك اهتمامات أدبية؟

ـ طبعاً. تعلمت أشياء كثيرة من جينيه.

ما الذي تعلمته منه؟

ـ أخبرني جينيه بأنني لا يمكنني أن أتعلم كتابة الأدب على مقاعد الدراسة، بل ينبغي أن أتعلمها من الحياة اليومية في «الزنقة»(أي الشارع).

وأين كنت ترى جينيه؟

ـ كان يخرج من بيته صباحا، ويأتي إلى هذه المقبرة. ويرسل نظراته إلى البحر.

وما الذي يعجبك في هذا المكان؟

ـ أخذت بنصيحة جينيه، وكنت أخرج إلى هذه المقبرة، فأرى شروق الشمس وغروبها، فشعرتُ بأنني أشعر وأحسّ.

وما الذي تتذكره عن جينيه أيضا؟

ـ في بيته كان يعد جينيه نموذجا لقبره، فقد شيّد نوعاً من القبر داخل بيته.. وكانوا يتبادلون الأحاديث هو وصديقه محمد القطراني وجاكي حتى ساعات الفجر.

وهل دفنوه مباشرة حين جاؤوا بنعشه من فرنسا؟

ـ كلاّ.. أتذكر أنهم وضعوه ليلة كاملة في بيته ودفنوه في الصباح.

وهل كان جينيه يمضي أوقاتا طويلة في منزله هذا؟

ـ بطبيعة الحال، كان يقصده ثلاث أو أربع مرات في العام..وكما نراه عادة يكتب في الغرفة العلوية.

وهل ثمة وثائق تركها جينيه؟

ـ بالتأكيد.. مكتبته لا تزال موجودة إلى الآن.. وأخشى أن تضيع تلك الوثائق والمخطوطات التي تركها، لأنّ ورثة البيت لا يعرفون قيمتها الأدبية. ولعلّ ما أدخل الحزن إلى قلبي هو منظر المقبرة المهجورة.. يبقى قبر جينيه أحدث قبر في المقبرة الإسبانية لأن دفن الموتى قد توقف هنا منذ زمن طويل. أما القبور المُجاوِرة لقبره فهي تكاد تكون مقتلعة أو محفورة.. وشواهدها الرخامية أصبحتْ ألعابا بيد الأطفال، يتقاذفونها ويرمونها أحيانا في البحر.. ربما يقوم الأطفال، دون وعي، بتدمير الذاكرة، والحروف السود التي تخط أسماء الموتى.

لا أدري كيف خطر ببالي أن أفكر بأنّ فناء هذه المقبرة، والمنطقة الجبلية المطلّة على البحر، تصلح لأن تكون مكانا لإقامة مرصد. وعندما أخبرت صديقا بذلك، قال لي: «بالفعل هناك مشروع لإقامة مرصد مكان هذه المقبرة».

هذه المقبرة مهجورة تماماً. لا أسيجة ولا أسوار تحيط بها ما عدا بوابة مزخرفة قائمة وحدها.. نحتت عليها قطعة بحروف بارزة، هنا ترقد فرقة جنود الشرف الإسبان. والمقبرة بهيئتها المترامية الأطراف، والتي تمتد مع أفق البحر، تحيل الأحجار إلى جنود وتجعلني أفكر بأن أجساد الجنود تدفن دائما بالأحجار.

زوجة حارس المقبرة، جلبت لنا دفتراً، مليئاً بكتابات الزوار، وهي التي فتحت لنا البوابة. فقد ورث زوجها يونس هذه الوظيفة من أبيه محمد الشحمي الذي توفي مؤخراً.

كان جان جينيه يتردد إلى طنجة والعرائش حيث وجد في هاتين المدينتين نوعا من الخلاص والملاذ. في المرة الأخيرة التي عاد فيها من المغرب إلى باريس، أقام في فندق «روبنس» في الغرفة رقم 59، ويروي فرانسوا رينيار في مقالته عن جان جينيه، وهي بعنوان «مات حيث عاش في الفندق» قائلاً: «منذ شهر نوفمبر اعتكف جان جينيه ولم يعد يخرج.

وكان مالك الفندق يُحضر له أطباق الحساء لأنّ مرض السرطان امتد إلى بلعومه ولم يعد قادرا على تناول أي طعام آخر سوى الحساء. كان يمضي ساعاته في تلك الغرفة القاتمة، يقلّب أوراقه المجعدة وكتبه وصحفه التي يعطيها فيما بعد إلى خادمات الغرف. كان مستأجراً، هادئ الطباع، لا يستقبل كثيراً من الناس، كما يروي عنه صديقه الذي يسكن في الطابق الأسفل». هكذا مات جينيه منعزلاً في غرفته في ليلة 14/15 من شهر أبريل من سنة 1986 متأثرا بمرضه.

حين مات جان جينيه في غرفة فندقه، ترك بجوار سريره، مسودات مخطوطة كتابه الأخير الذي كان ما يزال يراجعه ويصححه، بسرعة عجيبة. إنه كتاب «أسير عاشق» الذي نشرته دار غاليمار.. كما أنه أول كتاب ل«جينيه» يصدر بعد خمسة وعشرين سنة من الصمت الكامل.

هل إن موت الكاتب يأتي على شكل عمله الإبداعي؟ وهل لا بدّ لنا لتحليل نصوصه، من اللجوء إلى تحليل اللحظات الأخيرة التي سبقت موته.. موت جينيه كشف للعالَم عن غرفة مليئة بالنصوص والمخطوطات التي كان يعيد قراءتها وتصحيحها. جينيه مات أثناء العمل.

لم يكن موته بهذا الحزن الطاغي، بل عبارة عن سباق مع الحروف والكلمات من أجل التألق في عالم الإبداع. كاتب ثائر ومتمرد، جاء إلى عالم الكتابة عن طريق المصادفة.. كتب خمسة كتب في السجن، وخمس مسرحيات في حالة الضجر. ثم أوصى أن يدفن في العرائش.

«أسير عاشق»

في شهر يونيو، أي بعد شهر من وفاته، تم بيع مخطوطة كتابه «مذكرات لصّ» في مزاد «أوتيل دروو» بمبلغ قدره مليون و700 ألف فرنك. يبدو أن جينيه ترك بعد موته أكداسا من المخطوطات والرسائل والنصوص. وقد منح الكاتب مخطوطة كتاب «أسير عاشق» إلى مالك فندق «روبنز». كما ترك الكاتب مجموعة من مراسلاته التي كتبها لكل من مدام بلوش، كوكتو، سارتر، سيمون دي بوفوار، فريتشمان»، جاكي ماجليا، محمد القطراني… هذه الرسائل تنتظر أن ترى النور مما سيكشف جانبا آخر من حياة الكاتب.

غاليمار وصياً

كلود غاليمار، وهو ابن الناشر الراحل غاليمار، هو الذي تولّى عملية تنفيذ وصية الكاتب. فقد أودع جان جينيه ثروته إلى الأطفال ولاثنين من أصدقائه: جاكي ماجليا – وهو الابن الذي تبناه لوسيان- وعز الدين- وهو ابن صديقه محمد القطراني. وبالرغم من أن الورثة يتمتعون بجزء من ثروة الكاتب الراحل، لكن دائرة الضرائب، التي كان جان جينيه يكرهها ولا يدفع لها، أقدمت على حجز جزء من حقوق النشر لدى الكاتب.

وصية

في وصيته طلب جينيه أن يدفن بالمغرب في مدينة العرائش التي تبعد عن طنجة ثمانين كيلومترا. صديقه محمد القطراني قال إنّ «جان جينيه اختار بنفسه مكان الدفن. من نافذة المنزل الذي شيده لي ولابني عزّ الدين، كان يرسل نظراته صوب المحيط والمقبرة. قال لي ذات يوم، بأنه يرغب في أن يرتاح هنا.. وهو يرتاح، هنا الآن راحة أبدية».

* شاكر نوري: كاتب و إعلامي عراقي درسَ في جامعة ببَغداد ، ونالَ شهادةَ البَكالوريوسْ في الأدبِ الإنجليزيّ في 1972. بعد ذلك، عادَ إلى مدينتِه، ليَعملَ أستاذًا للُّغة الإنجليزية في الثانويَّة لمُدَّة أربعِ سَنوات، ثم قرَّرَ الهِجرةَ إلى باريس في 1977 التي مكثَ فيها حتى 2004 حيثُ حصلَ على درجةِ الماجستير في الإعلام مِن المَدرسةِ العُليا للدِّراسات وشهادة “بي. تي. أس. في التَّصوير السينمائي مِنْ مَعهد لوي لوميير في 1979 والدُّكتوراه في السينما والمسرح من جامعة السوربون في 1983. عملَ مُراسلاً ثقافيًا لعدَدٍ من الصُّحفِ والمَجّلاتِ العِراقية والعِربية وعملَ في إذاعةِ مونتِكارلو وجامعة السوربون.

عن هيئة النشر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!