الرئيسية + أخبار + محمد علي الطبجي يكتب: حول اتخاذ القرار بصدد رفع الحضر الصحي بين ارتباك الدولة وانتظارية الفاعلين

محمد علي الطبجي يكتب: حول اتخاذ القرار بصدد رفع الحضر الصحي بين ارتباك الدولة وانتظارية الفاعلين

لا مبالغة في القول إذا ما قلت أن أصعب القرارات ذات الصلة بوباء كورونا هي تلك التي لم تُتَّخذ بعد. أقصد قرار رفع الحجر أو تمديده بالنظر إلى إشكالات حقيقية تقتضي منا جميعا وليس فقط الحكومة، أن نساهم في صيرورة الإجابة عنها.

ومن سالف القول أيضا أن القرار السياسي بشأن هذا الموضوع هو قرار خاضع بالضرورة لمجموعة من الشروط التي تفرض توسيع قاعدة صياغة القرار قبل اتخاذه إعمالا للمقتضيات الدستورية والقانونية لما بتنا نصطلح عليه اليوم بالديمقراطية التشاركية.

أية إضافة نوعية إذن لمفهوم الفاعل؟ أية قدرات؟ أي سقف؟ وأية حدود له؟

إن المُطَّلع على المقتضيات الدستورية والقانونية” ذات الصلة بالديمقراطية التشاركية يستخلص وبكل سهولة أن هذه المقتضيات عملت على إعادة بناء شخصية الفاعلين، والفعل المدني على وجه الخصوص وتحويله من سمته المطلبية إلى قوة اقتراحية هي جزء من الذكاء الوطني والترابي وإيلائه مكانة المُرافق والمُواكب بخبرته وتحربته للأداء السياسي، بالإضافة إلى تتبعه للسياسات العمومية والتأثير فيها عبر قوته الإقتراحية، ومُرافق ومُواكب بخبرته وتجربته للأداء السياسي ومتتبع للقرارات السياسية ومؤثر فيها.

وبذلك جاء الفصل الثاني عشر من دستور 2011 محددا لفضاء المشاركة وحددها في المشاركة في صياغة البرامج والسياسات وتنفيذها وكذا تقييمها. وهي فضاءات اشتغال تم تاطيرها عبر دور محدد تداولته مختلف القوانين التنظيمية ذات الصلة سواء على المستوى الوطني أو الترابي. ونحن على مشارف العشرين من ماي، تاريخ نهاية التمديد الأول للحجر الصحي، أي قرار جريء لتحديد ملامح الجائحة وآثارها في كلتا حالتي القرار سواء بالرفع أو التمديد؟

نعيش اليوم ونراوغ في ممر ضيق يصعب فيه الحساب والتوفيق بين المصلحة الإقتصادية الداعية إلى إعادة تحريك دواليب الإقتصاد من جهة، وواقع الفقر والهشاشة الضارب في شرايين فئات عريضة تعيش من قوتها اليومي من جهة ثانية، وبين حساب المخاطر الصحية التي لازالت قائمة لامحال من جهة ثالثة.

بالأمس فقط تقدمت المندوبية السامية للتخطيط بثلاث سيناريوهات لرفع الحجر الصحي في إطار دورها الاستشاري في علاقتها مع صانعي القرار.

وفي الآن نفسه تتأهب الكونفدرالية العامة لمقاولات المغرب وفقا لرؤيتها ومقترحاتها في هذا المجال للتأثير على اتخاذ القرار استعدادا لاستئناف عملية الإنتاج. ولعلها الفاعل الأكثر تنظيما وقدرة على التفاوض والتأثير.

وفي نفس الآن استشارات متعددة من داخل أجهزة الدولة بسيناريوهات مختلفة وجديرة بالتقدير لكنها تنتمي لفاعلين اثنين فقط، هما الدولة والفاعل الاقتصادي. وفي المقابل يرتكن باقي الفاعلين إلى نوع من الإنتظارية وكأن القرار ينبغي أن يكون من خارجهم هم، ولا مجال لإبداء الرأي فيه إلا بعد اتخاذه كقرار ملزم وليتم الإكتفاء بالتعبير عن الموقف.

إن النَّفَس القوي للهندسة الدستورية والقانونية للديمقراطية التشاركية اليوم، يستمد روحه من سياق الدستور نفسه الذي حاول أن يجيب على سقف ديمقراطي مفترض، هو ِمن صُنع حراك 20 فبراير.

غير أن فعلية النص الدستوري والقانوني تظل دائما رهينة بمدى قدرة الفاعل على ترجمة أدواره إلى طاقة مؤثرة بعيدا عن منطق الإنتظارية وتسجيل المواقف الخارجة عن الآجال، مادام الهدف هو التأثير في اتخاذ القرار وتجويده عوض جعله موضوعا للنقد وقي قالب لا يتجاوز حدود “الترف الفكري”.

إن التحول إلى فاعل / acteur هي عملية باتت تقتضي بذل الكثير من الجهد من أجل استيعاب الدور وتمثله وتطوير آلياته ليصبح الند للند بالمقارنة مع باقي الأدوار. ولعل المتتبع لواقع حال تدبير هذه الجائحة والقرارات المتخذة بشأنها يستطيع أن يقف دونما جهد كبير على حقيقة جلية، ألا وهي غياب القوة الاقتراحية لهذا الفاعل بالشكل الذي تحَول من خلاله إلى مجرد رقم على هامش تلك السياسات دون أن يكون موضوعا لها وفاعلا فيها أيضا.

أو لنقل عندما يتحول الفاعل إلى مجرد مستفيذ / bénéficiaire، حينها فقط تنقلب المقاربة من مقاربة تشاركية قائمة على الحق في المساهمة في صياغة القرار، إلى مقاربة تهيمن من خلالها الدولة على صيرورة صناعة القرار مقابل تلبية حاجات الرعايا الأساسية بما في ذلك حاجتهم كرعايا إلى القرار نفسه والذي تنوب عنهم الدولة في صناعته واتخاذه.

وفي غياب رصد السياسات العمومية وتتبعها عن كثب في إطار عمل احترافي، بأدوار ومسؤوليات وأهداف محددة يظل العمل الكلاسيكي تعبيرا عن العجز عن المواكبة والمرافقة للسلوك السياسي العام وتوجيهه والتأثير فيه وفقا لموازين قوى معينه محسوبة تستطيع من خلالها تحديد حجم ووزن التدخلات ومدى القدرة عليها. كأن سقف 20 فبراير كان أكبر؟

عن هيئة النشر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!