الرئيسية + ثقافة و فنون + أدب من الشمال + منوال أخلاقيات التأويل

منوال أخلاقيات التأويل

د.عبد السلام دخان

صدر حديثا للمفكر المغربي الدكتور محمد الحيرش، أستاذ باحث وأكاديمي مختص في التأويليات واللسانيات بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان، عن دار الفاصلة للنشر في طنجة الطبعة الثانية من كتاب:”أخلاقيات التأويل: من أنطولوجيا النص إلى أنطولوجيا الفهم”.ويعنى هذا الكتاب بالبحث في التأويل Inteptation من منظور تأويلية الحوار وأخلاقياته؛ فهذا العمل الفكري الرصين يكتسي أهمية كبرى ارتباطا بالرؤى الدقيقة التي يقدمها على نحو ابستمولوجي، وفي كونه يشكل إضافة نوعية في السجل الفكري العربي الذي يفتقر إلى دراسات علمية متخصصة في الدراسات الهيرمينوطيقية تتجاوز طابعه الجينالوجي لتمارس تفكيرا أصيلا في الأخلاقيات والممارسات التأويلية، وهو ما يمكن رصده في محتويات هذا الكتاب الذي يضم مقدمة ومدخلا في الإبدال التأويلي، وقسم أول خصص لأنطلوجيا اللغة وتأويلية الحوار. وحمل الفصل الأول من هذا القسم عنوان: تأويلية الحوار وأخلاقياته ويرتبط بالتفكير العلمي الدقيق في الحوار بين المثال والمراس، منطق الحوار وأخلاقياته، الحوار والتذاوت، تأويلية الذات الحوارية. وخصص الفصل الثاني لتحولات اللغة وتحولات التأويل: نحو تأويلية فيلولوجية، ارتباطا ابستيميا باللغة والحاجة إلى التأويل، التأويل وعلوم اللغة، التأويل والفيلولوجيا، نيتشه والفيلولوجيا، الفيلولوجيا المثالية، الفيلولوجيا وتقويض التراتب الدلالي، نحو تأويلية فيلولوجية.
واختار الباحث الدكتور محمد الحريش في القسم الثاني لكتابه محو أخلاقيات التأويل الاختلاف والإنصاف والتسامح، ويبدو في هذا القسم كيفية تشكل ابستيمي التفكير الهيرمينوطيقي، وتقديم رؤى تتسم بقدر كبير من الجدة والأصالة العلمية، وهو ما يمكن رصده في الفصل الثالث المعنون ب: نقد التأسيس أو في الحاجة إلى قراءة منصفة للتراث، ويتبى الكاتب منظورات جديدة للنظر إلى التراث وصراع قراءتين، مضمرات التأسيس ومآزقه، المقايسة الفيلولوجية، المقايسة النظرية، هامش على فكرة” موت التراث”.
وتمتد ممارسة أخلاقيات التأويل في الفصل الرابع لتشمل النص والفهم والتسامح ملامح من أخلاقيات التأويل عند القدماء، وستكون الطريقة هنا سالكة نحو قلاع صعبة لكن الأكاديمي الدكتور محمد الحيرش لايتوقف في مستويات البحث عن الشروط الإبستمولوجية لممارسة أخلاقيات التأويل، بل يتسلح بإرادة علمية ليتناول التأويلية القرآنية: المجال والموضوع، برنامج الفهم: الشكل والمحتوى، الفهم ومسلماته، الفهم والمسلمة الأنطلوجية، من أنطلوجيا النص إلى أنطلوجيا الفهم، الفهم والمسلمة الإبستمولوجية، منطقان مختلفان للفهم، الفهم والمسلمة الأخلاقية، أخلاقيات التقويم وأخلاقيات التأويل، ملامح من أخلاقيات التأويل، التعدد والاختلاف، حدود العلم ونسبية الفهم، الإنصاف والتسامح.
ثمة حاجة إلى هذا الكتاب الذي يبتعد عن الرؤية الشمولية لإشكالات الهيرمينوطيقا، وطابعها الظاهراتي، ليركز على نحو فريد على أخلاقيات التأويل، وليصوغ لوغوسه ويساهم في بلورة وعي أصيل يجنب المتلقي سوء الفهم ارتباطا بالسلوك الأخلاقي العملي للمتحاور، أو المؤول بعيدا عن المرجيات الجاهزة التي تفضي إلى تأويلية هشة وهجينة، “وبالطبع ففي أفق من هذا القبيل ليس من مكان لأصل يمكن أن يمثل منطلقا حاسما للحوار ومرجعية قبلية لانعقاده، ولا من مركز يمكن أن يدور في فلكه المتحاورون ويخضعون لما تمليه عليهم سلطة في إسناد هذا الوجهة أو تلك لحواراتهم.” (ص 49 من الكتاب). لا بديل عن الحوار الذي يشبهه الباحث بسيل لا يكف عن التدفق والجريان، بيد أن الإشكالات المرتبطة بأخلاقيات التأويل تفضي عبر سفر هيرمينوطيقي من أنطولوجيا الفهم إلى أنطلوجيا الفهم، إلى ماهية أخلاقيات التأويل بوصفها باراديغم يقع في قلب الممارسة وتلازم أدواتها وإجراءاتها المعرفية التي تتوسل بها في فهم النصوص وتمثلها. وهذا مايجعل من كتاب:”أخلاقيات التأويل: من أنطولوجيا النص إلى أنطولوجيا الفهم”. للدكتور محمد الحيرش استعادة لأرض غمرتها مياه النسيان، وهي استعادة موجهة بفن أخلاقيات التأويل بوصفه تفكيرا أصيلا وهادئا في قضايا صاخبة تنتمي جلها إلى العقل الهرمينوطيقي.

عن هيئة النشر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!